الفيض الكاشاني

44

علم اليقين في أصول الدين

فصل [ 7 ] قال بعض العلماء « 1 » : اعلم أنّ أظهر الموجودات وأجلاها هو اللّه عزّ وجلّ « 2 » ، فكان هذا يقتضي أن تكون معرفته أوّل المعارف وأسبقها إلى الأفهام ، وأسهلها على العقول ، ونرى الأمر بالضدّ من ذلك ؛ فلا بدّ من بيان السبب فيه . وإنّما قلنا : « إنّ أظهر الموجودات وأجلاها هو اللّه تعالى » لمعنى لا تفهمه إلّا بمثال : وهو أنّا إذا رأينا إنسانا يكتب أو يخيط - مثلا - كان كونه حيّا من أظهر الموجودات ، فحياته وعلمه وقدرته للخياطة ، أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة ؛ إذ صفاته الباطنة - كشهوته وغضبه وخلقه وصحّته ومرضه ، وكلّ ذلك لا نعرفه ، وصفاته الظاهرة لا نعرف بعضها ، وبعضها نشكّ فيه - كمقدار طوله ، واختلاف لون بشرته ، وغير ذلك من صفاته - ؛ أمّا حياته وقدرته وإرادته وعلمه وكونه حيوانا ، فإنّه جليّ عندنا من غير أن يتعلّق حسّ البصر بحياته وقدرته وإرادته ، فإنّ هذه الصفات لا تحسّ بشيء من الحواسّ الخمس .

--> ( 1 ) - الغزالي : إحياء علوم الدين ، كتاب المحبّة والشوق ، بيان السبب في قصور أفهام الخلق عن معرفة اللّه تعالى : 4 / 464 - 467 . راجع أيضا الوافي : 4 / 59 . ( 2 ) - في هامش النسخة : « لأنّ كلّ ما هو أقوى وجودا فهو أشدّ ظهورا ؛ إذ الوجود هو النور ؛ واللّه أقوى الموجودات لأنّ وجودات ما سواه منه وبه حصلت ، وبإشراق ذاته عليها ظهرت - منه » .